مهما يقل لكم فافعلوه...(يوحنا ٥:٢)
بقلم مادلين فرنسيس

"مهما يقل لكم فافعلوه" كلمات جاءت على لسان مريم في فجر زمن البشارة، و يسوع لم تأت ساعته بعد (يوحنا ٤:٢). كانت مريم تدرك جيدا كنة رسالة ابنها و تعرف حاجة البشر الى الخلاص من عبودية الجهل و الخطيئة. عاشت في الناصرة مع يوسف و يسوع حياة الأم المصلية، مكرسة ذاتها للخدمة في عائلتها و مجتمعها تشارك في كل المناسبات من أفراح و أحزان مشاركة فعلية جاهزة للمساعدة و حاضرة لتكمل كل نقص و تقصير.

تعرف مريم جيدا فعل ارادتها عند يسوع، فهو لا يرد لها طلبا، و لا يهمل لها شفاعة, لذلك تبقى ساهرة متنبهة في شؤون حياتنا تدلنا الى الطريق و تردد باستمرار: مهما يقل لكم فافعلوه. 

تريدنا أن نكون مثلها نعيش فيه و معه، فهو الطريق و الحق و الحياة. تريدنا أن نعمل مشيئته في كل محطات عمرنا، و نقدم له كل انجازاتنا و أعمالنا، كل أحزاننا و معاناتنا. مريم و منذ ولادتها مكرسة للرب، قدمت له شبابها و حياتها، و أذعنت لمشيئته في البشارة "ها أنا أمة الرب" و عاشت حياتها في الأرض ككل أم عاملة محبة، مكملة الرسالة حتى بعد صعود ابنها الى السماء، فأصبحت الأم للرسل و الكنيسة، و المرجع الآمن لأبنائها.

مهما قال الله فعلت مريم. 
لقد شاء الله أن تبقى على الأرض بعد صعوده الى السماء، مع كل ما في هذا البقاء من عذاب الفراق و الحنين، بعدما عاشت ظروف التعذيب و الصلب و الموت ثم القيامة.
أمضت حياتها على الأرض بحسب كتاب الكنيسة تزور الأماكن حيث عاشت مع يسوع فترة وجوده بالجسد بين البشر.

ها هي في بيت لحم واقفة أمام المذود حيث أضجعته مولودا صغيرا. و ها هي في بيتها الصغير في الناصرة حيث مشغل النجارة محاذ للبيت، هناك ربت يسوع و تعلم من يوسف المهنة و مارسها كأي عامل يكسب قوته بعرق جبينه. و في بستان الزيتون هناك صلى و انساب عرقه دما ليلة الآلام. و في دار بيلاطس جلد و كلل بالشوك فيما انحنت هي تمسح قطرات دمه منسابة على الأرض مختلطة بدموعها. ها هي تزور جبل الجلجلة حيث رفع على الصليب و جعلها أمنا قبل أن يموت، فيما هي كانت تتمنى لو تموت معه لتبقى بجانبه. و في كل هذه الزيارات أشواق تعصر قلبها و حنين يملأ كيانها، فكانت تتخطى ارادتها و عواطفها لتتمم مشيئته الى آخر لحظة في حياتها "مهما يقل لكم فافعلوه". و بقيت معنا أما ساهرة، لا تنتظر أن نشكو بل تبادر دوما الى مساعدتنا. تتشفع بنا و تنقذنا من كل سقطاتنا. و ما زالت معنا تحتل القلوب و تسكن البيوت و المعابد، ما زالت معنا في ظهوراتها و رسائلها المتوالية للعالم تنصح و تحذر و تشدنا الى السلام و الفرح.

نسمع يا مريم صوتك العذب يخاطبنا، و نلوذ بين يديك لنحتمي كلأطفال في حضن والدتهم، يجمعنا حبك، فنزين مذابحك بالورود و ننشد لك أجمل التراتيل، فأنت ملكة الحب، أنت عروس الزمان.

حسبنا من العمر بنوتك، حسبنا من الحياة رضاه، فهو الهدف الذي نقضي حياتنا ساعين اليه، نجاهد أن نفعل مهما يقول لنا و معك حتما واصلون.

No comments:

Post a Comment